محمد هادي معرفة

110

التمهيد في علوم القرآن

الحين جعل القرآن ينزل تباعا ، بسمة كونه كتابا انزل من السماء وكان يسجّل على العسب واللخاف ، يكتبه من كان يعرف الكتابة من المؤمنين ، وهم عدد قليل ، خلال عشرين عاما . وقد كان بدء نزول القرآن - بعد تلك الفترة - في ليلة القدر من شهر رمضان . وبهذا الاعتبار صحّ التعبير بأنّ القرآن نزل في ليلة القدر ، وإن كان نزوله تباعا استغرق عشرين عاما . إذ كلّ حدث خطير تكون له مدّة وامتداد ، فإنّ تاريخه يسجّل حسب مبدأ شروعه ، كما سنفصّل الكلام عنه . أمّا أوّل آية نزلت فهي الآيات الخمس من اوّل سورة العلق ، ونزلت بقيّتها في فترة متأخّرة . غير أنّ أوّل سورة كاملة نزلت من القرآن هي سورة الحمد ، ومن ثم سميت بفاتحة الكتاب . هذا إجمال الكلام حول هذه المواضيع الثلاثة ، وأمّا التفصيل فهو كما يلي : فترة ثلاث سنوات : ولنفرض أنّ البعثة كانت في رجب ، حسب رواية أهل البيت ولفيف من غيرهم ، لكن القرآن - بسمة كونه كتابا سماويّا ودستورا إلهيا خالدا - لم ينزل عليه إلّا بعد فترة ثلاث سنين . كان النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) خلالها يكتم أمره من ملأ الناس ، ويدعو إلى اللّه سرّا ، ومن ثم لم يكن المشركون يتعرّضون أذاه ، سوى طعنات لسنيّة ، حيث لا يرون من شأنه ما يخشى على دينهم . وكان يصلّي إذ ذاك مع رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) أربعة : علي وجعفر وزيد وخديجة . وكلّما مرّ بهم ملأ من قريش سخروا منهم . قال علي بن إبراهيم القميّ : فلمّا أتى لذلك ثلاث سنين ، أنزل اللّه عليه : « فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين . إنّا كفيناك المستهزئين » قال : وكان ذلك بعد أن نبىء بثلاث سنين « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القميّ : ص 353 . وبحار الأنوار : ج 18 ص 53 ح 7 وص 179 ح 10 .